جدل مستمر بين الشعراء الشباب وكذلك المخضرمين، حول تحديد «هوية» الشاعر، وتجسيدها داخل قصائده، لتشكل ملامح خاصة، دون الجزم بشكل واضح على نقطة ارتكاز هذه الهوية، هل هي جغرافية أم أسرية أم وجدانية؟ وفي كل مرة تدور رحى النقاش، لا نسمع سوى «جعجعة» وجهات النظر، دون وجود أي «طحين» يُذكر!
المتابع لنتاج هؤلاء الشعراء وغيرهم، يجد أن الهوية الحقيقية لكل شاعر، تتشكل من خلال قصائد عدة وليست قصيدة واحدة؛ حيث لا يخرج عن إطارها الطبيعي إلا في حال تعمُّده إيجاد هوية أخرى ـ ليست بالضرورة تكون غير صحيحة ـ فالبعض يلصق بنفسه ألقاباً تربطه شعرياً بالوطن، المنطقة، القبيلة، الأسرة، الدين وأحياناً قضية محددة سواء كانت سياسية أو اجتماعية، مع حضور قصائد أخرى في أغراض مختلفة تعبِّر عنه، وعما يريد قوله في هذا الشأن أو ذاك، ولكن هذا الحضور «متوارٍ» عن الأنظار، تحفل به أدراج مكتبته ومستندات حاسبه الآلي ورسائل جوَّاله، وكأنه يخفي شيئاً يدينه بتهمةٍ ما، تنفي عنه تلك «الهوية» التي يريد فرضها على نفسه والآخرين.
المزعج في الأمر أن هذه الهوية «المقيِّدة» لصاحبها، تجبره أيضاً على استخدام مفردات دون غيرها؛ حفاظاً على هدفه الذي يسلب من عفويته الكثير من صدقها، علماً بأن كل قصيدة تشكِّل حالة، ولكل حالة خطاب؛ لذا على كل شاعر أن يبحث عن نفسه بعفوية أصدق.