هل أعتذر عن الغياب ؟ وهل لي من عذرٍ حينما أفارق بعض أحبتي الذين
يزدردون كلماتي الهشة في زمن المفردة الصعبة, وأنا التي تقدس الكلمات
ما بالي اليوم وقد التوت أعناقها بعيداً عني ولم تشفع لي خبرتي الطويلة
في ساحاتها المتعبة لكي ترتد إلى صدري مفعمةً بالحزن مثلما كانت
وتحيلني ناراً بيداوية الوجد تشتهي دفئها الأكف المعروقة وتجد نحو
عليائها الأقدام . آمنت أن كتابتي وجعي الممض وبقيةً من نور أتركها
خلفي إذا أزف الرحيل وكنت أشتهيها مثلما تشتهي النساء سواي لبس الحلي
والتجمل بها وقد كنت اتجمل بقلمي وأشرعه في صدر كل غيمةٍ بيضاء فتلقي
علّي من ودقها العذب حباً يشبعني ويحييني . آمنت أن الكتابة هي طريقي
شعراً ونثراً فلم يغادر الشعراء من متردم ولم تعد الكلمة سيفاً تقشعر
منه الأبدان أكثر منها مطيةً للرغائب ووسيلة لكسب لقمة العيش المهينة .
وليست الكتابة بالنسبة لي حالةٌ طارئة ألقت بها الظروف على كاهلي
ولكنها حباً ولد معي وترعرع في دمي منذُ أدركت عيني سحر الأبجدية
وتلصصت على كتب الكبار جداً في أولى سنوات العمر,ثم بدأت أناملي تعتاد
تشظي القلم وتستلذ عناقه المضني وتتنفس من خلاله روحي في أشد اللحظات
حلكةً وظلاماً و وقد انتصف الطريق الآن وبدات الراحلة تشم عبق الوصول
إلى منتهاها فتغذ له السير خبباً وقد كنت أشكو من قبل تلكؤها فسبحان
الله . أحب الكتابة ما زلت تلتهم عيوني كل ما يكتب ولكنني أحتفظ به في
داخلي لدي مكتبة كلما دخلت مكاناً تباع فيه الكتب شعرت بفقرها المريع
وسددت رمقها بالكتب مرة تلو مرة فلا تكتسي عن فقرها غنى ولا تبخل عليها
نفس كريمة مثلي .ولكنني الآن أشعر بوطأة الكتابة وثقل وقعها على نفسي
لأسبابٍ عدة أعرفها ولا أقوى على مواقعتها فتطيب بها نفسي أولها أنني
لا أستطيع الكتابة عن كثير من الأمور التي تشغلني كما تشغل غيري وهو
أمر لجت به روحي وضجرت من ثقله الفج وكوني لم أقدر على تجاوز الخطوط
الحمراء لاعتبارات كثيرة أشعرني بعدم قيمة ما أكتب وبعدم قدرتي كمخلوقة
صغيرة في أفق شاسع على حمل أمانة القلم فلم أشعر بالرضا عن النفس حتى
الآن . والسبب الثاني ما جُبلت عليه نفسي من كبرياء تتعلق بمبدأ الخطأ
والصواب وهو أمرٌ نشأت عليه وأخالني سوف أمضي عليه إلى النهاية وربما
هو لدى البعض تحفظ ممقوت ومستهجن ولدى البعض من الأمور التي تميزت بها
شخصيتي ورجحت بها كفتي كشاعرة وكاتبة وهذا الخوف من الخطأ والزلل في
الحياة أقعدني عن التواجد هنا وهناك فرتع في ساحة الشعر من رتع من
الشاعرات وهن لا يساوينني في الشعر قامةً وما كنت من الذين يستجدون
الشهرة فقد عافتها نفسي ولو أردت التواجد لكان ذلك من أهون الأمور ولكن
تقديم التنازلات والمجاملات لم يكن يوماً مما ترضاه نفسي بل هو أمرٌ
تأنف منه . حتى عندما تم اختياري للأشراف على برنامج رعاية الموهوبات
في المدينة المنورة وهو مشروع ضخم مفرط في الخيال من خلال برامجه التي
تعمل على استخلاص المواهب من المدارس وإدخالها في دورات تدريبية عبر
سلسلة ندوات ودروس ممنهجة تحت اعتبارات معينة , وقد وجدت نفسي في زخم
منافسة غير متكافئة مع أنماط بشرية غريبة تعيش في طيبة الطيبة وليس لها
بالشعر والأدب علاقة ولكنها تجيد التملق والتسلق والادعاء وموهبتها
الوحيدة القدرة على لبس الأقنعة بحسب المواقف وقد جلست لأول مرة في
حياتي مع نساء يشربن المعسل والشيشة ويتنافسن في اهمال القيم فانسحبت
بهدوء لأعود إلى صومعتي وأغلقت جوالي وصممت أذني عن الدعوات ما عدا
أمسية كان ريعها لصالح أيتام المدينة المنورة وقد عاهدت نفسي أن لا
أجيب الدعوات في المدينة بعدما شاهدت , وربما ما كرهته نفسي هو الحياة
بطبيعتها في كل مكان فهل صوابي خطيئتي الوحيدة كشاعرة . إن الكتابة
حلمي الصغير الذي كبر معي وهي قدري وليس النشر هدفاً أساسياً من
الكتابة فقد عرض علي أخ عزيز أن أسمح له بنشر مقالاتي القديمة في
صفحاته وهي صفحات مرموقة ولكنني رفضت ولوكنت ممن يلهثون وراء الظهور
لوافقت . إن هدفي من الكتابة أن أوجد !! على أي خارطة ؟ هذه التي تسكن
جنبي .... هنا
عيدة الجهني
نُشر في مجلة جواهر الاماراتية زاوية ( نوازي ) عامـ 1424 هـ